الاجماع عند فقهاء الحوزة


الإجماع كما عرفه فقهاء الحوزة : المراد منه إجماع المسلمين على حكم شرعي ، أو إجماع الشيعة الامامية ، فيكون هذا الإجماع كاشفاً عن وجود نصٍ واصلٍ إلى يد المجمعين و إن لم يكن قد وصل إلينا ، ثم إن الإجماع ليس حجة بنفسه بل إنما يكون حجة لكشفه عن وجود دليل شرعي لدى المجمعين  . ويعتر من مصادر التشريع الأربعة عند الاصوليين وهي القران والعترة والاجماع والعقل وقد تكلمنا عن العقل فيما مضى واليوم نتكلم عن الاجماع .

أعتبار الاجماع مصدرا للتشريع عند الاصوليين :


أعتبر الاصوليين الاجماع مصدر للتشريع رغم أن النبي صلى الله عليه وآله وصى بالكتاب والعترة فقط وهما العاصمان من الضلال في قوله عليه الصلاة والسلام : عليكم بكتاب الله وعترتي اهل بيتي ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي ابدا . فمن أين جاء الاجماع المصطلح عليه اليوم  ؟ أليس من المخالفين الذين سبقوا الشيعة الاصوليين الى ذلك رغم تحذير الائمة عليهم السلام بعدم الاخذ منهم .

ففي رواية  عن أبي إسحاق الكندي، عن بشير الدهان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا خير فيمن لا يتفقه من أصحابنا يا بشير! إن الرجل منهم إذا لم يستغن بفقهه احتاج إليهم، فإذا احتاج إليهم أدخلوه في باب ضلالتهم وهو لا يعلم. ) الكافي ج1 باب صفة العلم . 

 ورغم أنه كاشف عن قول المعصوم كما يدعون إلا انهم جعلوه مصدرا للتشريع مستقلا بذاته فإذا كان من ضمن السنة فلما جعلتموه مستقلا إلا إذا كان قول المعصوم مجرد إدعاء لذر الرماد في العيون ففط  لذا رد الشيخ : الميرزا محمّد الأخباري عليهم  قائلاً: (فإن قلتم: ليس الإجماع عندنا حجةً برأسه بل كاشف عن الحجة وهو قول المعصوم - عليه السلام - ولذلك صار حجة قلنا: ليس إذاً الإجماع حجة برأسه عندكم، فلم جعلتموه حجة برأسه وأفردتموه عن الكتاب والسنة وزدتموه عليها؟ وإذا كان الإجماع ليس بحجة في نفسه فما بالكم تعدونه دليلاً من الأدلة الأربعة في الأحكام الدينية وتعتبرونه كالكتاب والسنة؟ !) كشف القناع عن حجية الإجماع لمحمّد بن عبد النبي الأخباري: ٣١

أضطراب الاجماع وعدم مصداقيته :


أضطراب الاجماع يدل على عدم دقته ومصداقيته في كثير من الاحيان ويجعله من ضمن المصادر الظنية وليست القطعية كما يدعون قال تعالى : إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ) 

ولقد نسب إلى النظام القول باستحالة تحقق الإجماع  ) في .إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول للشوكاني: ص٧٢. ووجوه الاستحالة ترجع إلى أمور منها:

الأول: أنّ الاتفاق: إما عن دليل قاطع فيجب نقله عادة، وإذا لم ينقل فنعلم أنّه لم يوجد كيف ولو نقل لا غنى عن الإجماع. وإما عن دليل ظني وهو باطل؛ لأنه يمتنع الاتفاق عليه عادة؛ لاختلاف القرائح وتباين الأنظار، وذلك كاتفاقهم على أكل طعام واحد في إناء واحد، وهذا معلوم الاتفاق بالضرورة، وما ذلك إلاّ لاختلاف الدواعي.
الثاني: وإما لا عن دليل أصلاً، وهو محال، إذ من المعلوم أنّ اجتماع الجم الغفير والخلق الكثير على حكم واحد بلا مرشد ظني أو قطعي ممتنع عادة بالأولوية ) أصول الفقه لمحمد الخضري: ٢٨٤.

 وأمّا من ناحية التطبيق أو الصغرى، فإنّ تحصيل الاجماع والتثبت منه هو في غاية الصعوبة، إذ كيف يتسنى لنا أحصاء أقوال كل العلماء مع أن الكثيرين منهم لم تصلنا كتبهم أو لم يؤلفوا كتباً أساساً، ومن هنا ذهب بعض العلماء إلى أن تحصيل الاجماع في غير ضروريات الدين أو المذهب في غاية الندرة ) هداية الابرار للكركي ص259

وقد وقع الخلط والخطأ المكرر في دعاوى الاجماع إلى درجة أن يدعى الاجماع على الشي‏ء وضده، وقد ألف الشهيد الثاني رسالة خصّصها للحديث عن إجماعات الشيخ الطوسي (رحمه الله) التي ناقض فيها نفسه، فادعى الاجماع على المسألة مع أنه نفسه قد خالف ذلك في محل آخر! وقال الشهيد في مستهل هذه الرسالة: "قد أفردناها للتنبيه على أن لا يغتر الفقيه بدعوى الاجماع فقد وقع فيه الخطأ والمجازفة كثيراً من كل واحد من الفقهاء سيّما من الشيخ والمرتضى" ) رسائل الشهيد الثاني ج2 ص874

وقد انتهى السيد محمّد تقي الحكيم إلى: أنّ تحصيل الإجماع بمفهومه الواسع أمر متعذر فيما عدا الضروريات الدينية أو العقلية ) دائرة المعارف الإسلاميّة لحسن الأمين، والإجماع بقلم محمّد تقي الحكيم ٣: ٤٢.

ومن هنا نعلم أن الاجماع يجوز فيه الخطأ والضلال والاضطراب والتناقض والادعاء فكيف يكون حجة وفيه امكانية الكذب على الله سبحانه وتعالى 

الاجماع المصطلح يخالف الشريعة :


الاجماع المصطلح عليه اليوم يخالف الشريعة في بعض الاحيان فعند جمهور الاصوليين يجوز رد الحديث الصحيح بالاجماع وهذا ما يسمى الاجتهاد مقابل النص أي رد السنة بالظن الجمعي للمجتهدين فكيف جاز لهم ذلك ؟ يقول الميرزا محمد الاخباري مستنكرا ذلك : الإجماع لما لم يكن حجة في نفسه كيف يترك الخبر الصحيح لأجله إذا انعقد على خلافه: كالأخبار الواردة في غسل الجمعة؟ ) كشف القناع عن حجية الإجماع للأخباري: ٣٠.

طبعا هم يعللون ذلك بان هذا الاجماع لا يمكن ان يكون عبثا بل لا بد من عله هم لا يعرفونها ولكن هذا التعليل مجرد ظن وإن الظن لا يغني من الحق شئ فلو كان الاجماع في رد السنة بهذه الطريقة لجاز ذلك للمخالفين الذين ردوا كثير من الاخبار بحجة الاجماع كما في حديث الغدير الذي رده بعضهم وبعضهم الآخر تأوله على غير معناه الحقيقي ليردوه بسبب أجماع أغلب الصحابة وسكوت القليل منهم عن ذلك وغيره الكثير

 قال الامام الصادق عليه السلام في رسالته - إلى الشيعة محذرا من الاجماع مقابل الخبر الصحيح " والتي جاء فيها: "… وقد عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله - قبل موته، فقالوا: نحن بعد ما قبض الله - عزّ وجلّ - رسوله يسعنا أنّ نأخذ بما اجتمع عليه رأي الناس بعد قبض الله تعالى رسوله، وبعد عهده الذي عهد إلينا…. والله إنّ لله تعالى على خلقه أنّ يطيعوه ويتبعوا أمره في حياة محمّد - صلى الله عليه وآله - وبعد موته" ) الكافي للكليني ٨: ٣ - ٥. 

إدعاء قول المعصوم في الاجماع ظني  الدلالة :


إدعاء قول المعصوم في الاجماع مجرد ظن ويتبن ذلك من الطرق التي أعتمد عليها الاصوليون في أدخال قول المعصوم في جملة المجمعين وهي كلها ظنية لا قطعية ونورد منها الاساسية وهي 

1- الطريقة التضمينية : وهي تضمين قول المعصوم عليه السلام مع المجمعين إذا معهم أشخاص مجهولي النسب فيكون الامام من ضمن مجهولي النسب يقول الشيخ الطوسي مشيرا إلى ذلك في العدة،: (فإذا لم يتعين لنا قول الإمام ولا ينقل عنه نقلاً يوجب العلم ويكون قوله في جملة أقوال الأمة غير متميز منها فإنه يحتاج أنّ ينظر في أحوال المختلفين، فكل من خالف ممن يعرف نسبه ويعلم منشؤه وعرف أنّه ليس بالإمام الذي دل الدليل على عصمته وكونه حجة وجب إطراح قوله، وأن لا يعتد به، ويعتبر أقوال الّذين لا يعرف نسبهم؛ لجواز أنّ يكون كلّ واحد منهم الإمام الذي هو الحجة) عدة الأصول للطوسي ٢: ٧٥.

وقد ردوا على هذه الطريقة الظنية وقالوا لا يستلزم عقلا ولا نقلا أنّ يكون مجهول النسب هو الإمام، وإذا كان العلماء المتفقون الّذين استنبط من اتفاقهم قول المعصوم وسمي إجماعاً معلومي الأعيان والأقوال والتصانيف فأين الإمام المجهول النسب؟
كما أنّ المخالف للإجماع له أنّ يدعي: أنّه لا يضر خروجكم عن قوله واتفاقكم على خلافه، وأن الإمام المجهول داخل فيما قال به هو وأصحابه ) كشف القناع لمحمد بن عبد النبي الأخباري: ٣٤

رد آخر من المحدث البحراني على ذلك بقوله: (ومن أين يحصل العلم القطعي بموافقة قوله - عليه السلام - لأقوال الأصحاب مع هذا الانقطاع المحض، والمفارقة الكلية، والجهل بما يقوله على الإطلاق) الحدائق الناضرة للبحراني ٩: ٣٦٩

2- طريقة اللطف أو قاعدة اللطف : وهي التي عمل بها الشيخ الطوسي وهي غير ناهضة في الكشف عن قول المعصوم لأنها تقوم على مبدأ الحدس أو الظن فهي لا تفيد العلم في شئ  .

قال المحدث البحراني عند مناقشته لقاعدة اللطف : (إنّ هذا مما لا ينبغي أنّ يصغى إليه، ولا يعرج في مقام التحقيق عليه، وعلى هذا فليس عد الإجماع في الأدلة إلاّ تكثير العدد وإطالة الطريق؛ لأنه إنّ علم
دخوله - عليه السلام - فلا بحث، ولا مشاحة في إطلاق اسم الإجماع ، وإسناد
الحجة إليه ولو تجوزا….، و إلاّ فليس نقل الإجماع بمجرده موجباً لظن دخول المعصوم - عليه السلام -، ولا كاشفاً عنه كما ذكروه) الحدائق الناضرة للبحراني ٩: ٣٦٩

3- طريقة الحدس : وهو الظن وهي التي ذهب إليها أكثر المتأخرين كما قال الانصاري في كتابه الرسائل : ٤٣، والمظفر في كتابه أصول الفقه  ٣: ١٠٩

يقول المحقق الكاظمي عن هذه الطريقة ( كان المجمعون مع قرب عهدهم وتمكنهم أحيانا من أخذ الأحكام شفاهاً عن أئمتهم قد ظهر من سيرتهم وأحوالهم التثبت البليغ في أصول المسائل وفروعها، ومراجعة أقوال الأئمة وأخبارهم المعلومة في جلائل الأمور ودقائقها، وعدم التسارع إلى الحكم والعمل إلاّ بثبت مركون إليه، ودليل واضح يصح التعويل عليه، فاتفاقهم يكشف عن أنّه لم يتحقق إلاّ عن حجة مأخوذة من الحجج على وجه يورث العلم والقطع) ). كشف القناع عن وجوه حجية الإجماع، أسد الله المحقق الكاظمي: ٢٨

لكن محمد باقر المجلسي رد هذه الطريقة قائلا : بان الإفتاء لم يكن شائعاً في تلك الأزمنة السالفة، أي: من زمن الكليني وما قبله، بل كان مدارهم على نقل الأخبار، وكانت تصانيفهم مقصورة على جمع الأخبار وروايتها وتدوينها، - وقال أيضاً ـ: إنّ الاطلاع على الخبر المجمع عليه عن طريق الإفتاء متعسر، بل معتذر…، كما ذكر: أنّ معرفة المشهور على هذا الوجه متعسر أيضاً) العلامة المجلسي 

4- طريقة التقرير : وهي نفس طريقة اللطف ولكنها تختلف عنها من جهة وهي في سكوت الامام على الاجماع الذي أتفقوا عليه يدل على تقريرة وموافقته حسب زعمهم لأنه يراهم ويسمعهم فلم ينكر عليهم ذلك . وهذا مجرد ظن أيضا فما يدريهم اهل هو موافق أم لا فإن الله يسكت عن أشياء تخالف الكتاب والسنة اختبارا لهم  بعد ان بينها لهم في كتابه وسنة نبية 

وقد رد الشيخ مظفر على هذه الطريقة قائلا : (إنّ المهم أنّ يثبت لنا أنّ الإجماع في عصر الغيبة هل يتحقق فيه إمكان الردع من الإمام ولو بإلقاء الخلاف؟ وهل يجب على الإمام بيان الحكم الواقعي والحال هذه؟ ) أصول الفقه للمظفر ٣: ١٠٩

الخلاصة :


وبهذا يتبين أن طرق ومباني استكشاف رأي المعصوم عليه السلام في الإجماع حدسي أو ظني الدلالة عند الأصوليين  قال تعالى : مالهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ) ، والدليل على ذلك الطرق التي أستخدموها فهي تصورات وخطرات و أوهام تبتعد عن الحس والواقع فكيف تكون مصدرا من مصادر التشريع وفيها أمكانية الكذب على الله تعالى . 

ورغم ذلك مازالوا  يتمسكون به ويجعلونه مصدرا تشريعا مستقلا يقول الشهيد الصدر معللا تمسكهم به بأنها حالة نفسية وقال أيضا " أن علماء الأصول عندما واجهوا الفقه الموجود بأيديهم وكانت لديهم تلك الحالة النفسية وهي التحفظ على أطر ومسلمات ذلك الفقه صاروا بصدد إيجاد قواعد أصولية يمكن أن تشكّل الغطاء الاستدلالي لتلك المسلمات الفقهية فنشأت عندنا قواعد "حجية الشهرة"، و"الاجماع المنقول" و"انجبار الخبر الضعيف بعمل الأصحاب" و"وهن الخبر الصحيح بإعراضهم " ) مباحث الأصول ج 2 ص 94، قضايا إسلامية ج 3 ص 

شاهدوا الموضوع

التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق