قياس العلة عند فقهائنا الأصوليون


قياس منصوص العلة : وهو قياس شئ معروف علت حكمه على شئ آخر يتشابه معه في الظاهر على حسب عقل المجتهد وتفكيره الذي يقوده لتطبيق نفس الحكم على هذا الشئ الآخر . وهو موجود عند المخالفين ويسمونه قياس العلة وينقسم إلى قسمين قياس الجلي أي المعروفة علت حكمه واضحة وبدون نظر وتعب . والقسم الآخر منه قياس خفي وهو الغير منصوص العلة فيبحث المجتهد عن العلة حسب عقله وتفكيره وما يراه مناسبا من آرائة . وضربوا لذلك مثالا وهو السكر وهي علة تحريم الخمر 

وقياس العلة والخفي هو نفسه قياس منصوص العلة الذي يعمل به فقهائنا الاصوليون وقد سبقهم المخالفين إلى هذا القياس فأخذوه عنهم واستحضروا منهم  حتى المثال الذي يستخدمونه وهو مثال الخمر والذي علة تحريمه السكر . وهم بذلك تركوا أوامر الأئمة عليهم السلام بعدم استخدام منهج المخالفين من قياس وغيره .قال الصادق (ع) : كذب من زعم أنه من شيعتنا وهو متمسك بعروة غيرنا . أي نهج وطريقة غيرنا ، وعن الإمام الصّادق في [الكافي الشّريف: ج1] (باب فضل العلم) (لا خير فيمن لا يتفقّه مِن أصحابنا يا بشير  إنّ الرّجل منهم إذا لم يستغنِ بفقهه احتاجَ إليهم، فإذا احتاج إليهم أدخلوه في باب ضلالتهم وهو لا يعلم) وهذه الرّواية مهمّة جداً.. فإنّ مَن يأتي بعلم الرّجال والقياسات التي يستخدمونها سوف يدخل في ضلالهم بلا شك كمال قال الامام عليه السلام . 

فقهاءنا الأصوليون أجازوا قياس العلة :


واول من قال به عندنا هو السيد المرتضى الذي تبنى القياس واطلق عليه تسمية القياس الشرعي وقبل ان يتبناه تبراء منه شرعاً وقبله عقلاً قائلاً : (أن القياس محظور في الشريعة استعماله ، لان العبادة لم ترد به ، وإن كان العقل مجوزا ورود العبادة باستعماله ) الذريعة - السيد المرتضى - ج 2 صفحة 675 وكما تلاحظون تناقض ، محظور استعماله في الشريعة والعقل يجوز أستعماله  فمن سيغلب عندك يا سيد العقل أم الشريعة ؟

وفي النهاية تغلب العقل - أو ما يظن بأنه عقل - على الشريعة عند السيد المرتضى رحمه الله وضرب بالشريعة عرض الحائط عندما برر ذلك بقوله ( اعلم أنا إذا بينا أن القياس الشرعي يمكن أن يكون طريقا إلى معرفة الأحكام الشرعية ، فقد جرى القياس مجرى الأدلة الشرعية كلها من نص و غيره ، فمن منع - مع ثبوت ذلك - من أن يدل الله تعالى به ، كما يدل بالنص على الاحكام ، فهو مقترح لا يلتفت إلى خلافه)الذريعة - السيد المرتضى - ج 2 صفحة 677


وضرب المرتضى مثالاً على حجية القياس ( الذي يسمى اليوم قياس منصوص العلة ) قائلاً : ( والذي يدل على صحة معرفة الاحكام به أنه لا فرق في صحة معرفتنا بتحريم النبيذ المسكر بين أن ينص الله تعالى على تحريم كل مسكر ، وبين أن ينص على تحريم الخمر بعينها ، ثم ينص على أن العلة في تحريمها شدتها ، ولا فرق بين أن ينص على العلة ، وبين أن يدلنا بدليل غير النص على أنه حرم الخمر لشدتها ، أو ينصب لنا أمارة يغلب عندها في ظنوننا أن تحريم الخمر لهذه العلة ، مع إيجابه القياس علينا في هذه الوجوه كلها) الذريعة - السيد المرتضى - ج 2 صفحة 677


وبذلك أدخل السيد مرتضى القياس واطلق عليه القياس الشرعي مع أنه محظور أستعماله في الشريعة كيف تأتي هذه وتستقيم الله أعلم ، فهل هذا الكلام كلام عقلاء أم كلام من لعب في عقله الشيطان فانساه ذكر الله . وتابعوه على ذلك الفقهاء واصبحوا يعملون بقياس العلة الذي يسمونه بالشرعي وهي بدعة وضلالة ما أنزل الله بها من سلطان إذ كيف يخالف الشريعة ثم يسمى شرعيا وانا لا أدري ما هو الشئ الذي أجبر الشريف المرتضي على هذه المخالفة الشرعية سوى ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام (.. تفلتت منهم الاحاديث ان يحفظوها وأعيتهم السنة أن يعوها ..)

فلماذا هذا القياس المخالف للشريعة ؟ والروايات موجودة و صريحة بتحريم كل مسكر فقد جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم تسليما) مايفيد المقام قائلا ً : ( الخمر حرام بعينه ، والمسكر من كل شراب ، فما أسكر كثيره فقليله حرام ) فقه الرضا - علي بن بابويه - ص 280

والعجيب في سيد المرتضى أنه رد على من قال ان القياس متعلق بالظن لأنه يصيب وبعض الاحيان لا يصيب ( قائلاً : ( فأما من أحال القياس لتعلقه بالظن الذي يخطئ ويصيب ، فالذي يبطل قوله أن كثيرا من الاحكام العقلية والشرعية تابعة للظنون ، ومثاله في العقل علمنا بحسن التجارة عند ظن الربح ، وقبحها عند ظن الخسران ) الذريعة - السيد المرتضى - ج 2 صفحة 677

ثم قال ان الظن يكون طريقا الى العلم ! في قوله : ( الاحكام لا تكون إلا معلومة ، ولا تثبت إلا من طريق العلم ، إلا أن الطريق إليها قد يكون العلم تارة ، والظن أخرى) الذريعة - السيد المرتضى - ج 2 صفحة 679

وقد صرح السيد المرتضى بأنه من أهل الاجتهاد وهو من اقوى تصاريحة إن لم يكن الأول من نوعه قائلاً : ( وليس يمتنع أن يكون قولنا أهل الاجتهاد - إذا أطلق - محمولا بالعرف على من عول على الظنون والامارات في إثبات الأحكام الشرعية ، دون من لم يرجع إلا إلى الأدلة والعلوم ) الذريعة (أصول فقه) - السيد المرتضى - ج 2صفحة 672

ولكن كيف يكون الظن طريقا للعلم أليس هذا تسخيفا  للعقول فإن الظن يكون طريقا للعلم إذا أصاب أما إذا أخطأ فكيف يكون طريقا للعلم وبهذا فإن الظن يخطأ ويصيب ولكن إذا أخطأ أدى إلى هدم الدين سواء كان المجتهد يعلم أو لم يكن يعلم لذلك قال الله تعالى ( ما لهم به من علم أن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ) سورة يونس ، وقال تعالى ( إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ) سورة الانعام 

كما أن الظن يؤدي إلى الكذب على الله تعالى  إذا أخطأ عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال ( ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب الله ولاسنة فننظر فيها ؟ فقال : لا  إما انك أن اصبت لم تؤجر وأن أخطأت كذبت على الله عز وجل ) ننظر فيها أي نعمل فيها با دوات الاجتهاد كالقياس وغيره من الظنون  . قال تعالى ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون .) سورة النحل 116 

وقد جاء بعده المحقق الحلي وأيد السيد المرتضى في اثبات قياس منصوص العلة وجعله حجة قائلا ( عبارة عن الحكم على معلوم بمثل الحكم الثابت لمعلوم آخر ، لتساويهما في علة الحكم . فموضع الحكم المتفق عليه يسمى : أصلا . وموضع الحكم المختلف فيه يسمى : فرعا . والعلة : هي الجامع الموجب لاثبات مثل حكم الأصل في الفرع ، فان كانت العلة معلومة ، ولزوم الحكم لها معلوما من حيث هي ، كانت النتيجة علمية ، ولا نزاع في كون مثل ذلك دليلا ) معارج الأصول - المحقق الحلي - ص 183

وسار على دربهم كذلك الشيخ محمد رضا المظفر قائلا ( أن القياس في نفسه لا يفيد العلم بالحكم ،  لأنه لا يتكفل ثبت الملازمة بين حكم المقيس عليه وحكم المقيس . ويستثنى منه منصوص العلة ... وفي الحقيقة : أن منصوص العلة ليس من نوع القياس) أصول الفقه - الشيخ محمد رضا المظفر - ج 3 - ص 190

وهنا يقول أن قياس منصوص العلة ليس بقياس كما قال عن قياس الاولى بأنه ليس من نوع القياس أيضا مع أنه يسميهما قياس وهذه كذبه يكذبها على نفسه دائما حتى يصدقها ونحن نعلم ان علماء الشيعة والسنة أجمعوا على أن قياس منصوص العلة وقياس الاولى من انواع القياس والكل يسميهم بهذا الاسم فهو الفقيه الوحيد الشاذ عنهم ومع ذلك يعترف وينكر في نفس الوقت أليست هذه العقول مضطربة . 

وظل جمهور الفقهاء الاصولويون يتابعون هذا النوع من القياس أضافة إلى غيره من القياسات حتى يومنا هذا بل زادوا أدوات اجتهادية جديدة يسمونها بالابداعات فكل فقيه يأتي ويضيف من هذه البدع .

أدراك علة الحكم غير ممكنه في الأصل :


فلو كانت المقايسس تصيب الاحكام الشرعية حقيقة وكانت تدرك العلل الشرعية من الاحكام لما حرمها الائمة عليهم السلام  ولو كان فيها استثناء لا خبروا به شيعتهم ولكن لم يصل لنا خبر بذلك فقد حرموا جميع المقاييس عن أبي شيبة الخراساني قال : سمعت أبا عبد الله ( عليه السلام ) يقول : (إن أصحاب المقاييس طلبوا العلم بالمقاييس فلم تزدهم المقاييس من الحق إلا بعدا ، وإن دين الله لا يصاب بالمقاييس ) وسائل الشيعة - الحر العاملي - ج 27 - ص 43.

 عن الامام جعفر بن محمد الصادق ( عليه السلام ) انه قال : ( إن أمر الله تعالى ذكره لا يحمل على المقاييس ، ... , وأقسم بعزته لا يقيس أحد في دينه إلا قرنه مع عدوه إبليس في أسفل درك من النار ) وسائل الشيعة - الحر العاملي - ج 27 - ص 45 – 46

إن السؤال عن علة الاحكام من أجل بناء احكام جديدة في وقائع أخرى بواسطة القياس ليس لها طائل في الأصل لذلك قال الامام الكاظم عليه السلام عن عثمان بن عيسى قال : سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن القياس فقال : ( مالكم والقياس إن الله لا يسأل كيف أحل وكيف حرم ) لكافي - الشيخ الكليني - ج 1 - ص 57

ان هذه الرواية تجيبنا بصراحة على بطلان القياس الذي يستخدم العلة في إثبات حكم جديد قسناه على واقعة القديمة معروفة علة حكمها لدينا أو قد يتهيأ لنا ذلك لأن مدارك الاحكام لا نعلمها تماما أو بالاطلاق بسبب عقولنا القاصرة عن ذلك حتى أن الأصحاب  سئلوا الامام (عليه السلام) عن علل الأحكام ليقيسوا عليها فأخبرهم بإن الله لا يسأل كيف أحل وكيف حرم ونهاهم عن مثل هذا القياس .

لذلك هناك أحكام تكون علتها معلومة لدى العقل و لكن الشرع يفاجئ العقل بالحكم المخالف للعلة ومثال ذلك ان العلة من عدة المرأة المطلقة هو عدم اختلاط الماء حيث قام الشرع ببيان العلة ولكن الشرع يفاجئ العقل بقوله ان المرأة ملزمة بالعدة حتى لو غاب عنها زوجها عشرين سنة او كانت عقيمة 

 وبذلك يتبين لنا أنتفاء العلم المطلق للعقل بعلل الاحكام الحقيقية حتى لو يتبادر الى الاذهان من خلال بعض النصوص بأن العلة معلومة فقد يتفاجئ العقل بحكم في الشريعة يخالف تلك العلة ، كما أن المحقق الحلي قد نقل في معارج الاصول أحتجاج الشيخ المفيد على بطلان القياس في قوله : ( و احتج شيخنا المفيد ره لذلك أيضا بأنه لا سبيل إلى علة الحكم في الأصل ، فلا سبيل إلى القياس ) معارج الأصول - المحقق الحلي - ص 1. 

الخلاصة :


وبذلك يتبين بطلان قياس منصوص العلة والذي تم العمل به على يد فقهاء الاصول العقلية مع أنه حرام شرعا ، حتى ان الائمة عليهم السلام لا يستخدمون القياس ولا أرائهم في الاحكام وانما هو علم يتوارثونه من الرسول ثم من أمام إلى امام ، وألهام من الله تعالى أعطاهم أياه فلا رأي ولا قياس عندهم ولاهم يحزنون 

شاهدوا الموضوع

التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق